سوريَة تمهّد لبنية التجارة الإلكترونية عبر تطوير المؤسسة السورية للبريد
بدأت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية، في 15 مارس/آذار 2026، مرحلة جديدة في تطوير قطاع الخدمات البريدية من خلال إطلاق وثيقة “طلب معلومات” (RFI). الهدف من هذه الخطوة هو إقامة شراكات استراتيجية لتطوير المؤسسة السورية للبريد، وهو إجراء يُعد من أبرز المبادرات الحكومية الرامية تهيئة البنية التحتية لدعم قطاع التجارة الإلكترونية.
تسعى الوزارة من خلال هذا المشروع إلى تحويل الخدمات البريدية التقليدية إلى منصة لوجستية رقمية متقدمة، قادرة على دعم الاقتصاد الرقمي وتعزيز النشاط التجاري عبر الإنترنت. وقد دعت الوزارة إلى مناشدة المشغلين في القطاع الخاص، والمستثمرين، والائتلافات المؤهلة لتقديم تصورات وخبرات ومقترحاتهم الأولية، وذلك مع تحديد موعد نهائي لتلقي الردود في 15 أبريل/نيسان 2026.
تهدف المرحلة الاستكشافية الحالية إلى جمع رؤى عملية حول كيفية تحديث المؤسسة الوطنية لتصبح جهة قادرة على تقديم خدمات متقدمة في مجال الطرود والخدمات اللوجستية المتصلة بالتجارة الإلكترونية. وفي هذا السياق، أكد معالي وزير الاتصالات وتقانة المعلومات، عبد السلام هيكل، أن المؤسسة حققت نمواً ملموساً في حجم خدماتها خلال عام 2025، لكن المرحلة المقبلة تستهدف توسيع هذا الدور من خلال إدخال خدمات لوجستية متقدمة تدعم التجارة الإلكترونية، فضلاً عن تقديم خدمات رقمية وحكومية متنوعة للمواطنين.
تشير وثيقة الطلب المعلوماتي إلى أن المؤسسة تعمل في بيئة تشغيلية معقدة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية قدرات النقل والتوزيع، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب، فضلاً عن ضعف مستوى الأتمتة في العمليات. كما تواجه تعقيدات قانونية ومالية ناتجة عن طبيعتها كمؤسسة عامة، مما يستدعي تخطيطاً تدريجياً وشراكات مع القطاع الخاص لتحقيق تحول نحو نموذج أكثر مرونة.
من النقاط الجوهرية التي ركزت عليها الوزارة أن تطوير البريد لا يعني منح امتيازات حصرية، بل يعمل على تطوير إطار تنظيمي يتيح قيام سوق بريدي تنافسي يسمح بتعدد الجهات الفاعلة. وتأمل الوزارة أن يساهم هذا النموذج في جذب الاستثمارات المحلية والخارجية، وتحفيز الابتكار وتحسين جودة الخدمات، مشابهةً لما تمتلكه العديد من الدول التي شهدت تحسناً في سرعة التسليم والتكاليف بفضل المنافسة.
يكتسب هذا المشروع أهمية بالغة في ضوء الظروف الاقتصادية السورية بعد سنوات من الحرب، حيث تُعد التجارة الإلكترونية رافعة محتملة لإعادة تنشيط النشاط الاقتصادي وفتح قنوات جديدة للتبادل التجاري. وتتيح هذه التجارة للشركات الصغيرة والمتوسطة الوصول إلى أسواق أوسع دون الحاجة لاستثمارات ضخمة في المتاجر التقليدية، كما توفر للمستهلكين سهولة في الوصول للمنتجات، خاصة في المناطق التي تضررت فيها شبكات التوزيع التقليدية.
في الاقتصادات المتقدمة، تحولت المؤسسات البريدية إلى لاعبين أساسيين في منظومة التجارة الإلكترونية من خلال تقديم خدمات التخزين وإدارة الطلبات والتوصيل السريع وتتبع الشحنات. وتتطلع سوريا إلى تحقيق دور مشابه عبر هذا التحديث، حيث يمكن للبريد الوطني أن يدعم الشركات المحلية الناشئة والمتاجر الإلكترونية، وربما تقديم خدمات مالية بسيطة مثل الدفع عند الاستلام، وهو ما يعزز استقرار التجارة الإلكترونية في الأسواق الناشئة.
وعلاوة على الأثر الاقتصادي، يُتوقع أن يساهم تطوير قطاع البريد في الفوائد الاجتماعية والتنموية، من خلال تحسين وصول الخدمات إلى المناطق الريفية، وخلق فرص عمل جديدة في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والتقنية. ويُعد إطلاق طلب المعلومات هذه خطوة أولى في مسار طويل، يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة بناء البنية التحتية للخدمات اللوجستية على أسس حديثة، وهو شرط أساسي لنجاح أي اقتصاد رقمي حديث.



إرسال التعليق